الجصاص
497
أحكام القرآن
مطلب : فيما تضمنته الآية من الامر بالعدل مع المحق والمبطل وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل ، وحكم بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم ، وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما يستحقون ، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والأسر والاسترقاق دون المثلة بهم وتعذيبهم وقتل أولادهم ونسائهم قصدا لإيصال الغم والألم إليهم . وكذلك قال عبد الله بن رواحة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا ، فجمعوا له شيئا من حليهم وأرادوا دفعه إليه ليخفف في الخرص : إن هذا سحت وإنكم لأبغض إلي من عدتكم قردة وخنازير ، وما يمنعني ذلك من أن أعدل عليكم ! فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض . فإن قيل : لما قال : ( هو أقرب للتقوى ) ومعلوم أن العدل نفسه هو التقوى ، فكيف يكون الشئ هو أقرب إلى نفسه ؟ قيل : معناه : هو أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات ، فيكون العدل فيما ذكر داعيا إلى العدل في جميع الأشياء واجتناب جميع المعاصي ، ويحتمل : هو أقرب لاتقاء النار . وقوله : ( هو أقرب للتقوى ) فقوله : " هو " راجع إلى المصدر الذي دل عليه الفعل ، كأنه قال : العدل أقرب للتقوى ، كقول القائل : من كذب كان شرا له ، يعني كان الكذب شرا له . وقوله تعالى : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) قد اختلف في المراد بالنقيب ههنا ، فقال الحسن : " الضمين " . وقال الربيع بن أنس : " الأمين " . وقال قتادة : " الشهيد على قومه " . وقيل إن أصل النقيب مأخوذ من النقب وهو الثقب الواسع ، فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم ، فسمي رئيس العرفاء نقيبا لهذا المعنى . وأما قول الحسن إنه الضمين ، فإنما أراد به أنه الضمين لتعرف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار اثني عشر نقيبا على هذا المعنى . وقول الربيع بن أنس إنه الأمين ، وقول قتادة إنه الشهيد ، يقارب ما قال الحسن أيضا ، لأنه أمين عليهم وشهيد بما يعملون به ويجري عليهم أمورهم . وإنما نقب النبي صلى الله عليه وسلم النقباء لشيئين : أحدهما لمراعاة أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى الله عليه وسلم ليدبر فيهم بما يري . والثاني : أنهم إذا علموا أن عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة ، إذ علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن كل واحد منهم يحتشم مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ينوبه ويعرض له من الحوائج قبله ، فيقوم عنه النقيب فيه . وليس يجوز أن يكون النقيب ضامنا عنهم الوفاء بالعهد والميثاق ، لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا القيام به ، فعلمنا أنه على المعنى الأولى .